المقريزي
140
المقفى الكبير
محمد بن عمير « 1 » بن عطارد بن حاجب بن زرارة ، وحجّار بن أبجر بن بجير « 2 » العجلي ، فأقبل على محمد بن عمير فقال : يا محمد ، يدعوك قتيبة بن مسلم إلى نصرتي يوم رستاق باذ ، فتقول : هذا أمر لا ناقة لي فيه ولا جمل ! لا جعل اللّه لك فيه ناقة ولا جملا ! يا حرسيّ ، خذ بيده وجرّد سيفك فاضرب عنقه ! فنظر الحجّاج إلى الحجّار وهو يبتسم فدخلته العصبيّة ، وكان مكان حجّار من ربيعة كمكان محمد ابن عمير من مضر . وأتى الخبّاز بفرنيّة أو لبنيّة « 3 » ، فقال : اجعلها ممّا يلي محمّدا ، فإنّ اللبن يعجبه . يا حرسيّ ، شمّر سيفك ( يعني : أغمده ) وانصرف ! وقال الحجّاج على المنبر : يزعمون أنّا من بقايا ثمود ، واللّه يقول : وَثَمُودَ فَما أَبْقى [ النجم : 51 ] . وقال يوما لأبي العسوس الطائي : أيّ أقدم ، أنزول ثقيف الطائف أم نزول طيّى الجبلين ؟ فقال أبو العسوس : إن كانت ثقيف من بكر بن هوازن ، فنزول طيّ الجبلين قبلها . وإن كانت ثقيف من ثمود فهي أقدم . فقال الحجّاج : يا أبا العسوس ، اتّقني ، فإنّي سريع الخطفة للأحمق المتهوّك ! فقال أبو العسوس [ الطويل ] : يؤدّبني الحجّاج تأديب أهله * فلو كنت من أولاد يوسف ما عدا وإنّي لأخشى ضربة ثقفيّة * يقدّ بها ممّن عصاه المقلّدا على أنّني ممّا أحاذر آمن * إذا قيل يوما : قد عتا المرء واعتدى [ انتقامه من الموالي لخروجهم مع ابن الأشعث ] ونظر الحجّاج بعد وقعة ابن الأشعث فإذا جلّ من خرج معه من الفقهاء وغيرهم من الموالي ، فأحبّ أن يزيلهم عن موضع الفصاحة والآداب ويخلطهم بأهل القرى والأنباط ، فقال : إنّما الموالي علوج ، وإنّما أوتي بهم من القرى ، فقراهم أولى بهم « 4 » . فأمر بتسييرهم من الأمصار ، وإقرار العرب بها ، وأمر أن ينقش على يد كلّ إنسان منهم اسم قريته التي وجّهه إليها . وطالت ولاية الحجّاج فتوالد القوم هناك فخبثت لغات أولادهم وفسدت طباعهم . فلمّا قام سليمان بن عبد الملك أخرج من كان في سجن الحجّاج من المظلومين ، وكانوا [ 337 أ ] ثمانين ألفا ، وردّ المنقوشين فرجعوا في صورة الأنباط ، ففي ذلك يقول الراجز : جارية لا تدري ما سوق الإبل * أخرجها الحجّاج من كنّ وظلّ لو كان بدر حاضرا وابن حمل * ما نقشت كفّاك في جلد جلل « 5 » وقال شاعر لمّا استقضي أبو عصمة نوح بن درّاج على الكوفة [ البسيط ] : يا أيّها الناس قد قامت قيامتكم * إذ صار قاضيكم نوح بن درّاج « 6 »
--> ( 1 ) محمد بن عمير ، له ترجمة في لسان الميزان 5 / 330 . ( 2 ) أبجر والد الحجّار مات بالكوفة على النصرانيّة . ( 3 ) قراءة تقريبيّة ، والفرنيّة نوع من الهريسة ، واللبنيّة حلوى من اللبن الحامض ( دوزي ) . ( 4 ) العقد 3 / 416 . ( 5 ) في العقد 3 / 417 : لو كان شاهدا حذيف وحمل . . . كفّاك من غير جدل . وحذيفة وحمل ابنا بدر الفزاريّ . ( 6 ) العقد 3 / 417 : إنّ القيامة فيما أحسب اقتربت .